القاضي عبد الجبار الهمذاني

73

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فأما ما يصير محفوظا بالإجماع ، فقد علمنا بالدليل أنه لا يجوز على الأمة فيه الخطأ ، ولا يجوز عليهم الذهاب عن الحق ، ولا بد من كون الحق محفوظا فيهم ، حتى لا يخلو الزمان ممن يحفظ الشرع والحق . فإما أن يكون واحدا بعينه ، أو جماعة ، وإما أن يكون كل ذلك في واحد ، أو جميع الشرع في الجماعة . فإذا ذهب بعضهم عنه أمكنهم معرفته ممن يحفظه وينبهه / على ذلك من هو حافظ له ، وكذلك القول في سائر الأدلة . فمن أين أنه لا بد من الحاجة إلى الإمام ، وقد بينا أن ما طريقه الاجتهاد ، يصير محفوظا بما أقامه اللّه من الدلالة ، وبما ثبت من الأمارات ويستغنى عن الإمام . ولا بد لهم من التعلق بمثل ذلك في نقل الخبر الّذي به يعلم كون الإمام وصفته ، والنص على كونه إماما ، إلى غير ذلك . فإذا استغنى في كل ذلك عن الإمام ، وقيل فيه : إن السهو والكتمان لا يقع فيه ، فكذلك القول فيما عداه من الشرع ، ولا يمكنهم أن يقولوا : إنه يعلم إماما بالمعجز ؛ لأنا قد دللنا من قبل على أن ظهوره على غير الأنبياء لا يصح ؛ ولأن المعجز لا بد من نقله ، وإذا جعلوه محفوظا بالتواتر ومنعوا فيه السهو والكتمان ، لزم مثله في سائر ما ذكرناه . وبعد فإنا تتبعنا حال أكثر الشرع فوجدنا النقل فيه والأدلة عليه ، أظهر من النص على الإمام ، بل من تجويز الإمام في بعض الاعتبار ، وسائر صفاته . فكيف يصح أن يحفل العلم بكل ذلك فرعا على الإمام ، والمعرفة بكونه إماما ؟ على أن المتعالم من حال أمير المؤمنين ، وهو الإمام الأول ، أنه قد كان يرجع في معرفة بعض الشرائع إلى غيره من الصحابة ، وقد كان يرجع من رأى إلى رأى ، فكيف يمكن ادعاء ما ذكروه من أن الشريعة لا تصير محفوظة إلا بالإمام ، والمتعالم من حاله أنه كان يجوز لغيره مخالفته في الفتاوى والأحكام ، وكان لا ينكر على من لا يتبع قوله ، كما ينكر على من لا يتبع قول الرسول ، كل ذلك يبطل ما تعلقوا به ويبين طريقة الكلام في هذا الباب .